السيد محسن الأمين

234

أعيان الشيعة

ومن المعروف انه نشأ بالكوفة ، ونال مركز الصدارة بين علمائها ، ثم رحل إلى بغداد حيث استفاضت شهرته فيها ، وعرف له الخليفة المهدي هذه المكانة فأسند إليه مهمة تثقيف ولده الرشيد ، ولما تولى الرشيد الخلافة عهد إليه بمهمة تأديب ولديه : الأمين والمأمون ، فقام الكسائي بأداء المهمة على خير وجه ، إذ رفعه الرشيد بعدها من طبقة المعلمين والمؤدبين إلى طبقة الجلساء والمؤنسين . ومن العجيب ان الرجل الذي وصل إلى هذه المنزلة ، قضى شبابه كله وصدرا من كهولته ، وهو ابعد الناس عن العلم ، ولو أن عرافا أسر إليه بأنه سيصبح من أئمته في المستقبل لظنه يسخر منه أو يهزأ به ، ولكن الذي حدث ان الكسائي ، وكان يذهب كثيرا لمجالسة صديق له من العلماء ، ذهب ذات مرة إلى صديقه هذا ، وهو في حال شديدة من التعب والارهاق ، فلما سأله الرجل عن حاله ، قال الكسائي : لقد عييت ، فاظهر الرجل اشمئزازه وسخطه من هذه الكلمة وقال له : أتجالسني وأنت تلحن ؟ فقال الكسائي كيف لحنت ؟ فقال له : ان كنت أردت من انقطاع الحيلة والتحير في الامر ، فقل : عييت مخففا ، وان كنت أردت من التعب ، فقل : أعييت . فانف الكسائي من هذه الكلمة ، ثم قام من فوره ذلك ، فسال : من يعلم النحو ؟ فارشدوه إلى معاذ بن مسلم الهراء ، فلزمه حتى أنفذ ما عنده . ثم لم يكتف الكسائي بما اخذه عن أستاذه من علم كان كفيلا على التحقيق الا يجعله يقع فيما استنكفه من نفسه من لحن . يبدو ان نفسه قد تفتحت للعلم ، وطمح بامله إلى بلوع مرتبة أعلى من مرتبة الذين اخذ بعضهم عليه زلة الوقوع في اللحن ، فرحل إلى البصرة حيث جلس في حلقة الخليل بن أحمد ، وقد أدهشه ما يتمتع به الخليل من وفرة العلم واتساع المعرفة ، فسأله في لحظة من لحظات اعجابه به مأخوذا : من أين أخذت علمك هذا ؟ فأجاب الخليل : من بوادي الحجاز ونجد وتهامة ، وسرعان ما كان الكسائي يشد رحاله إلى تلك البوادي ، يسمع عن اعرابها من غريب اللغة ونوادرها ما انفذ في كتابته خمس عشرة قنينة حبر ، سوى ما حفظ ، ورجع بعد ذلك إلى الكوفة ، وقد وعى من العلم الشئ الكثير . ثم رحل الكسائي إلى بغداد تسبقه شهرته كعالم فذ من علماء اللغة ، وكان عليه لكي يقرر هذه الحقيقة ويزيدها تأكيدا ان يخوص كثيرا من المناظرات اللغوية التي كان يخرج منها كلها غالبا منتصرا . ولعل أشهر مناظرة خاضها الكسائي في بغداد ، هي تلك المناظرة المعروفة ، التي جرت بينه وبين سيبويه امام النحاة البصريين ، على مشهد من العلماء في محفل البرامكة ، وهي تتلخص في ذلك السؤال الذي وجهه الكسائي إلى سيبويه قائلا : كيف تقول : كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي ، أو فإذا هو إياها ؟ فقال سيبويه : أقول : فإذا هو هي ، ولا يجوز النصب ، فقال له أخطأت ، العرب ترفع ذلك وتنصبه . وحينئذ أصر سيبويه على رأيه ، وصمم الكسائي على ورود الوجهين . وكان ان استدعى يحيى بن خالد البرمكي الاعراب الواقفين على بابه لتحكميهم في الامر ، فشهدوا ان القول ما قاله الكسائي . هذه هي خلاصة المناظرة الشهيرة التي كان من نتيجتها ان ترك سيبويه بغداد ، ورحل إلى قريته البيضاء في فارس ، ثم لم يلبث بعد ذلك ان مات وهو في ريعان رجولته حزينا آسفا . لا شك ان ما مني به الرجل من فشل ، ثم انزواءه وموته ، كان لهما أكبر الأثر في اعطاء هذه المناظرة أكثر مما تستحق من نقاش وجدل ، فقد انبرى أنصار سيبويه لمهاجمة الكسائي والحط من شانه ، فاتهموه بالجهل ، وقالوا ان هذه المناظرة لم تكن الا تمثيلية مرتبة احكم وضعها مع الاعراب الذين شهدوا معه وقبضوا ثمن شهادتهم قبل الأدلاء بها ، وان الكسائي خشي على مكانته من خصمه ففعل ذلك وهو يعلم أن الحق ليس معه . إلى غير ذلك من التهم التي يطول بنا الامر لو أوردناها ، وأوردنا الردود عليها . والواقع ان الرجل كما يتضح من تاريخ حياته العلمية يبدو أكبر من أن يسلك هذا المسلك في سبيل النيل من خصمه ، وقد أدلى في مناظرته معه بما كان يعتقده صوابا ، وبما صح لديه من كلام العرب حتى قبل ان يعرف ان ثمة مناظرة ستجري بينهما في يوم من الأيام . ونظرة إلى مذهب مدرسة الكوفة في النحو توضح لنا الرأي الذي أدلى به الكسائي ، فمن المعروف ان مذهبهم في اللغة يقوم على الفسحة والتوسع فيها ، ولهذا فهم مثلا يعتبرون الشاذ والضرورة من كلام العرب ليسا خطا وان كانا قليلين ويجيزون القياس عليهما بناء على ذلك ، على حين ان مدرسة البصرة التي يمثلها سيبويه تتشدد في ذلك وتأبى الاعتراف بغير المتواتر الكثير الورود من الكلام ، وما عداه خطا لا يجوز القياس عليه ، وقد أدلى كلا الرجلين بما يؤمن به وما صح عنده من غير حاجة إلى تواطؤ من الكسائي مع الاعراب لتقرير شئ لم يرد في كلام العرب اختلافا وكذبا ، وكيف هو الذي شهد له معاصروه بالصدق والعلم . يقول ابن الأعرابي : ما جربت على الكسائي في كذبه قط . بعد المناظرة التي جرت بين الكسائي وسيبويه ، يمكننا ان نقول : إن سيبويه كان ولا شك آخر الشخصيات العظيمة التي ناظرها الكسائي ، فقد كان أنبغ من أنجبتهم البصرة من رجالها بعد الخليل ، وحسبه مكانة انه صاحب الكتاب الذي لم يؤلف في العربية أتم ولا أكمل منه حتى الآن . وقد عاش الكسائي بعد ذلك علما شامخا معترفا بنبوغه ووفرة علمه من علماء عصره جميعا . ويتضح ذلك بجلاء من قصة مناظرة ، لعلها اخر مناظرة جرت بينه وبين أحد من العلماء وهو الفراء . يقول الفراء : مدحني رجل من النحويين فقال في : ما اختلافك إلى الكسائي وأنت مثله في النحو ؟ فأعجبتني نفسي فاتيته فناظرته مناظرة الأكفاء ، فكأني كنت طائرا يغرف من البحر بمنقاره . الشيخ علي ابن الشيخ حميد بالتصغير ابن الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر . توفي يوم الأربعاء سابع المحرم سنة 1317 اخذ عن الشيخ مرتضى الأنصاري ثم عن تلميذه السيد حسين الترك وكان من وجوه تلامذته وهو